مقتطفات من كتاب "رحلتى من الشك إلى الإيمان" لدكتور مصطفى محمود

مقتطفات من كتاب "رحلتى من الشك إلى الإيمان" لدكتور مصطفى محمود
..................................................................................................
المثقفون لهم اعتراض تقليدى على مسألة البعث والعقاب, فهم يقولون:

كيف يعذبنا الله والله محبة؟ وينسى الواحد منهم أنه قد يحب ابنه كل الحب ومع ذلك يعاقبه بالضرب والحرمان من المصروف والتأديب والتعنيف وكلما ازداد حبه لابنه كلما ازداد اهتمامه بتأديبه . ولو أنه تهاون فى تربيته لاتهمه الناس فى حبه لابنه ولقالوا عنه إنه أب مهمل لا يراعى أبناءه الرعاية الكافية.. فما بال الرب وهو المربى الأعظم .. وكلمة الرب مشتقة من التربية .
والواقع أن عبارة " الله محبة " عبارة فضفاضة يسئ الكثيرون فهمها ويحملونها معنى مطلقا .. ويتصورون أن الله نحبة على الإطلاق .. وهذا غير صحيح.
فهل يحب الله الظلم مثلا؟
مستحيل..
مستحيل أن يحب الله الظلم والظالمين .. وأن يستوى فى نظره ظالم ومظلوم .. وهذا التصور للقوة الإلهية هو فوضى فكرية.
ويلزم فعلا أن يكون لله العلو المطلق على كل الظالمين وأن يكون جبارا مطلقا يملك الجبروت على كل الجبارين وأن يكون متكبرا على كل المتكبرين, مذلا للمذلين, قويا على الاقوياء, وأن يكون الحكم العدل الذى يضع كل إنسان فى رتبته ومقامه.
وبمقتضى ما نرى حولنا من انضباط القوانين فى المادة والفضاء والسموات يكون استنتاجا للعدل الإلهى استنتاجا سليما يعطى الصفة لموصوفها .. وكل البينات تحت أيدينا تقوم لتؤكد صفة العدل الإلهى والنظام والحكمة والتدبير.
إن العذاب حقيقة ملموسة
والإنسان مربوب بقوة أعلى منه وهو عديم الحيلة فى قبضة تلك القوة . ويستوى الأمر أن يسمى المؤمن هذه القوة " الله " وأن يسميها الملحد " الطبيعة " أو " القوانين الطبيعية " أو " قانون القوانين " فما هذا التهرب إلا سفسطة لفظية . المهم أنه لم يجد بدا من الاعتراف بأن هناك قوة تعلو على الإنسان وعلى الحوادث وأن هذه القوة تعذب وتنكل.
وأصحاب المشاعر الرقيقة الذين يتأففون من تصور الله جبارا معذبا علينا أن نذكرهم بما كان يفعله الخليفة التركى حينما كان يصدر حكم الإعدام بالخازوق على أعدائه      وأفظع من ذلك ان تفقأ عيون الاسرى بالأسياخ المحمية فى النار. مثل هؤلاء الجبارين هل المفروض أن يقدم لهم الله حفلة شاى لأن الله محبة؟
با إن جهنم هى منتهى المحبة ما دامت لا توجد وسيلة غيرها لتعريف هؤلاء بأن هناك إلها عادلا
أيكون عدلا أن يقتل هتلر عشرين مليونا فى حرب عالمية .. يسلخ فيها عماله الأسرى ويعدمون الألوف منهم فى غرف الغاز ويحرقونهم فى المحارق
ثم عند الهزيمة ينتحر هتلر هتربا وفارا من مواجهة نتيجة أعماله
إن العبث وحده وأن يكون العالم عبثا فى عبث هو الذى يمكن أن ينحى هذا القاتل الشامل من ذنبه.
ولا شئ حولنا فى هذا العالم المنضبط الجميل يدل على العبث وكل شئ من أكبر النجوم إلى أدق الذرات ينطق بالنظام والضبط والإحكام ولا يكون الله محبة ولا يكون العادل إلا إذا وضع عذا الرجل فى هاوية أعماله.
إن العاقل الفطن المتأمل لن يحتاج إلى فلسفة ليدرك حقيقة العذاب فإنه يكتشف نذر هذا العذاب فى نفسه فى داخل ضميره وفى عيون المذنبين ونظرات القتلة وفى دموع المظلومين وآلام المكلومين وفى ذل الأسرى وجبروت المنتصرين وفى حشرجة المحتضرين
وهو سوف يدرك العذاب والحساب حينما يحتويه الندم
والندم هو صوت الفطرة لحظة الخطأ
وهو القيامة الصغرى والجحيم الأصغر وهو نموذج من الدينونة.


وهو إشارة الخطر التى تضئ فى داخل النفس لتدل على أن هناك ميزانا للأعمال وأن هناك حقا وباطلا ومن كان على الحق فهو على صراط وقلبه مطمئن.

No comments:

Post a Comment